كتب خالد تكس
قدم الأستاذ الزميل عبدالماجد عبدالحميد مبادرة ممتازة لتحريك الساحة التي افتقدت مثل هذا النوع من الندوات النوعية منذ اندلاع الحرب للظروف القاهرة التي مرت بها البلاد لذا شهدت دار الشرطة امس حضورا مميزا من الاعلامين و المفكرين والسياسين يتقدمهم الأستاذ خالد الاعيسر وزير الثقافة والإعلام والسياحة الذي الهب حماس الحاضرين بحديث قوي حول أهمية وضرورة الاصطفاف الوطني في هذه المرحلة وتوحيد الجبهة الداخلية لتامين وحدة السودان شعبا وارضا ودعم القوات المسلحة التي لاتزال تتصدي للمؤامرات لأجل تحقيق الانتصار الحاسم الذي لن يكتمل الا بتحرير كل ارض الوطن.
بيد أن المتحدثين خذلوا الحضور حينما قدموا افادات معممة تناولت رؤس المواضيع دون الغوص في التفاصيل او تحليلات عميقة تقدم تفسيرات واجابات لكثير من التساؤلات التي تدور في اذهان الحاضرين في ظل هذه الأوضاع السياسية بالغة التعقيد مما دفع الأستاذ بشارة ارو للقول معلقا علي مادار بأن الندوة طرحت ثلاثة قضايا مختلفة تستحق كل واحدة منها ندوة منفصلة. ورغم تصاعد الاحداث العسكرية شديدة التاثير علي الشؤن السياسية والدبلوماسية والاعلامية وما تفرزه من زخم يصاحب الحراك الدولي والاقليمي المحموم بتفاعلاته وارتداداته الا ان الندوة لم تفك الطلاسم حسب التوقعات ولم تقدم معلومات جديدة . وهذا ما أقر به الاستاذ حسن اسماعيل بنفسه .
و تركز حديث دكتور إبراهيم الصديق علي أزمة الخطاب الاعلامي ولكنه اكتفي بمظهره دون الخوض كثيرا في تفاصيل ضعفه و اوجه قصوره الذاتية والموضوعية مكتفيا بطرح اطار نظري فضفاض ربما ليتحاشي التشخيص تلافيا للحرج او لكي لايقول صراحة ان تغذيته ناقصة بحكم اعتماده او ارتباطه بحبل سري بالرواية او السردية السياسية كناقل في اغلب الاحيان لان القصور الأكبر يكمن هنا نتيجة لغياب الرؤي وضعف المشاريع الفكرية وترهل الهياكل التنظيمية فكانت الاطلالة خجولة وضامرة علي المشهد الاعلامي نتيجة لذلك او لتقديرات تكتيكية اما مرتبطه بمحاذير امنية تجعل من خطاب التعبية محدود الاثر لشح المعلومات وقد يكون التاثير محدودا في السياق والظروف الداخلية ولكنه في ظل عولمة بعض القيم الانسانية لايصلح لمخاطبة الخارج او اقناعه فالعالم باذدوجيته المعروفة لايصغي للحقيقة ولكنه يعرف القوة . و منذ مابعد مرحلة عولمة القيم الانسانية لم يعد متحمسا لايستعاب خطاب الدعاية الحربية الا ب انتقاءية خاضعة لموازنات المصالح المباشرة وبالتالي يعتبره عجزا وافلاسا مع اتساع نفوذ اللوبيات والمجموعات الحقوقية التي أصبحت تؤثر في القرارات الدولية وتصنع الرأي العام العالمي الرافض للعنف .مما حد من قوة تأثير الرسالة الاعلامية خارجيا وخلق فراغات عجز الخطاب السياسي المتكاسل عن ملاءها بمفردات قادرة علي الإقناع مع صعوبة تحويل الحرب من وسيلة الي غاية او هدف او تحويل الكراهية الي منفستو بدون تحالفات قادرة علي ترجمته الي اللغة التي يفهمها العالم .
وصادم دكتور عامر الحقيقة المسلم بها علميا حينما حاول وضع تعريف للحرب سواءا بغرض التاطير او تحديد الاصطفاف ولكن ذلك غير مفيد ليس لان الحقيقة نسبية بل لأنها لاتعني شيء في عالم اليوم حيث يجري توظيفها وتسخيرها لنسج الروايات او السرديات السياسية ويتم ابتذالها لأجل خدمة الأجندة وبالتالي يسعي كل طرف لحشد ادلته وبراهينه علي نحو ما ظل يحدث مما ذاد من حدة الانقسامات وتشتيت جهود توحيد الجبهة الداخلية التي أصبحت صدي لانعكاسات التدخلات الخارجية الأمر الذي بات يفرض نوع من الانفتاح لتخفيف حدة الاستقطاب بدل السعي الي تكرس واقع مؤطر لايعترف بزوايا نظر اخري في ظل وجود أحزاب وتيارات متعددة ومتنوعة ومتباينة الا اذا كان الهدف تثبيت أركان شمولية تتجاوز الواقع رغم أنف الاحداث والحراك الداخلي والخارجي دون أي اعتبار لمخاطر العزلة والانكفاء .رغم انه حاول وضع خطوط عريضة للحلول دون تفاصيل يمكن مناقشتها . بصورة جدية .
وقال المتحدث الاخير الأستاذ حسن اسماعيل أن الحرب هزت أركان الرواية الاعلامية فتحول المواطن الي صانع للرسالة ليقلب قاعدة النظرية العلمية التي وضعها علماء الانثروبلوجي حول التغيير الاجتماعي راس علي عقب حينما أجمعوا علي ان التغير يحدث بتأثير الفاعلين علي مكنزيمات الحراك الاجتماعي القاعدي وليس العكس اللهم الا اذا تعمد طمس الحقيقة لاغراض سياسية إذ كيف يمكن أن يتبع الفاعلون من النخبة السياسية والإعلامية وغيرهم في المجالات الاخري عوام المجتمع مع تصاعد خطاب الكراهية الذي يهدد بتمزيق العري والروابط وتفتيت اللحمة ويسلمون لرواية او خطاب عام يخضع بالضرورة لتقديرات شخصية وعوامل ذاتية وليس موضوعية سواءا كانت عفوية او مقصودة وغير محصنة فكريا او مقيدة بكوابح التزام تنظيمي وكان يمكن تبرير رفض الهدنة دون الايغال في هكذا تجاوز يلامس الخطوط الحمراء للمخاطر الاستراتيجية. ولكن الصديق حسن اسماعيل مارس نفس اسلوب السخرية والتهكم ذي الأثر اللحظي الذي يفرح المستمعين ويتركهم حايرين امام الأسئلة .
